الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

141

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وتشريعي لأجل ذلك لأدركنا عظمة هذه النعمة وما لها من الفضل على بقية النعم . ثم يحذر الباري جل شأنه الإنسان من وجود سبل منحرفة كثيرة : ومنها جائر ( 1 ) . وبما أن نعمة الإرادة وحرية الاختيار في الإنسان من أهم عوامل التكامل فيه ، فقد أشارت إليها الآية بجملته قصيرة : ولو شاء لهداكم أجمعين ولا تستطيعون عندها غير ما يريد الله . إلا أنه سبحانه لم يفعل ذلك ، لأن الهداية الجبرية لا تسمو بالإنسان إلى درجات التكامل والفخر ، فأعطاه حرية الاختيار ليسير في الطريق بنفسه كي يصل لأعلى ما يمكن الوصول إليه من درجات الرفعة والكمال . كما تشير الآية إلى حقيقة أخرى مفادها أن سلوك البعض للطريق الجائز والصراط المنحرف ينبغي أن لا يوجد عند البعض توهما أن الله مغلوب ( سبحانه وتعالى ) أمام هؤلاء ، بل إن مشيئته جل اسمه ومقتضى حكمته دعت لأن يكون الإنسان حرا في اختياره ما يريد من السبل . وفي الآية التالية يعود إلى الجانب المادي بما يثير حس الشكر للمنعم عند الناس ، ويوقد نار عشق الله في قلوبهم بدعوتهم للتقرب أكثر وأكثر لمعرفة المنعم الحق ، فيقول : هو الذي أنزل من السماء ماء ماء فيه سبب الحياة ، وزلالا شفافا خال من أي تلوث لكم منه شراب ، وتخرج به النباتات والأشجار فترعى أنعامكم ومنه شجر فيه تسيمون . " تسيمون " : ( من مادة الإسامة ) بمعنى رعي الحيوانات ، وكما هو معلوم فإن الحيوانات تستفيد من النباتات الأرضية وورق الأشجار ، و " الشجر " لغة : ذو معنى واسع يشمل إطلاقه الأشجار وغيرها من النباتات .

--> 1 - ضمير " منها " يعود إلى السبيل . والسبيل مؤنث مجازي .